Playing for Change

 

اللعب من أجل التغيير

 

بقلم جيف كوب

 

عرضت شركة كيميائيات غربية على مزارعي منطقة معينة عرضاً خاصاً يقضي بدفع الشركة المال مقابل استئجار بعض المساحات الزراعية، لتخزين براميل غير ضارة فيها والمبلغ كان 75 دولار… فهل تقبل الصفقة؟ هذا كان العرض الذي تلقيته بعد 16 موسماً زراعياً في المزرعة.

 

أنا لم يكن لدي رهان آخر حقاً، فرب الأسرة “إنكو” كان يشرف على الموت ويحتاج إلى الدواء والأم “جينا” لم تكن بعيدة عن ذلك أيضاً. إضافة إلى أن المحصول لم يكن جيداً العام الماضي وقد واجهنا عدد من الصعوبات في عدد من المواسم السابقة وسبق أن بعنا بعضاً مما نملك… لذلك قبلت العرض وأخذت المال.

 

لم يؤدي هذا المال إلى فرق كبير، فـ “إنكو” و”جينا” توفيا على أي حال. وخلال بضع مواسم تالية غادرت أنا الشقيقة التي أسكنها ولجأت إلى الرقص في عروض أقدمها أمام السياح لكسب المال، وتالياً، وفي فعل أخير يائس بدأت بزراعة الأفيون في محاولة لانتشال نفسي من الفقر المدقع. وكل ذلك كان بلا جدوى، فبعد عشرين موسماً، كنت قد أنهكت من الجوع والمرض. العائلة ذهبت، المرزعة ذهبت…ووو انتهت اللعبة.

 

نعم إلى هنا انتهت العبة فالقصة السابقة ليست حقيقة أو على الأقل لم أواجه أنا ذلك في العالم الحقيقي بل واجهت ذلك في لعبة على الانترنت تدعى “مزارع من العالم الثالث” صممت لتحاكي العديد من الشروط والخيارات التي يعيشها الملايين من الفقراء في الدول النامية أثناء حياتهم اليومية.

 

لعبة مزارع من العالم الثالث نموذج لما يشار إليه بلعبة جادة تهدف إلى أكثر من مجرد الترفيه. فكيف يمكن لأهداف لعبة كهذه أن تتشابك بعمق مع بعض الأمور والغايات التي تطبق واقعياً في حياتنا اليومية؟

 

إن لعبة المفردات الأكثر رواجاً على الانترنت الأرز المجاني أو (freerice.com) تقدم على سبيل المثال عشرين حبة رز كتبرع لبرنامج الغذاء العالمي في الأمم المتحدة في كل مرة ينجح فيها اللاعب بمعرفة الكلمة الصحيحة. وبالتالي فإن الموقع أدى لجمع تبرعات بالمليارات من حبوب الرز وساهم في رفع الوعي بخصوص الجوع كقضية عالمية.

 

ألعاب مثل “مزارع من العالم الثالث” تكافح لمستوى أعلى من الوعي مترافقاً مع مشاركة فعلية في المشكلة. إذ تضعك في بيئة تجعلك تواجه اتخاذ القرار بما يحاكي ما يمكن أن تواجهه مع الآخرين في مواقف الحياة الواقعية.

 

ليست جميع الألعاب الجدية مهيئة لمواجهة القضايا الاجتماعية، الغالبية ذات أهداف تجارية أو تهدف للتدريب على الاحتياجات الحكومية، لكن أعدادا متزايدة من أمثال “مزارع من العالم الثالث” و”الرز المجاني” تجعلك تدرك أن الألعاب يمكن أن تكون أداة قوية في دعم التغيير الاجتماعي. خصوصاً أن هذه الألعاب تفيد من الامكانيات الاجتماعية التي تقدمها شبكة الانترنت لجذب أصحاب المصلحة الجديدة أكثر من وسائل الإعلام التقليدية.

 

إثارة الاهتمام، السعي المشترك.

 

فيما كنت ألعب في “مزارع من العالم الثالث”، فكرت في المنظمة الدولية التي تكافح الجوع وتدعم التنمية المستدامة والتي تدعى Heifer International. إذ تقوم هذه المنظمة على تزويد الأسر بالمواشي التي يمكن تربيتها من أجل لحومها. أنا من أشد المؤيدين لهذه المنظمة، وأنا وزوجتي نسهم في هذه المنظمة سنوياً. لكن لعبي في “مزارع من العالم الثالث” بين لي أن مساهمتي لاتزال ضئيلة. ليس لأن المنظمة لا تبذل جهدها في هذا الاتجاه بل لأنها تواجه ذات المشاكل التي تواجهه المنظمات الخيرية المشابهة في العالم وهي إثارة انتباه الناس إليها ولخدماتها… أي أزمتها أزمة الاهتمام. فوسائل الإعلام التقليدية وحتى معظم مواقع الانترنت العالمية أو حملات البريد الالكتروني الترويجية باتت تواجه صعوبات أكثر وأكثر لجذب الاهتمام في منافسة طيف واسع ومتنوع من الخيارات التي توفرها التقانة اليوم في العالم. وفي هذه النقطة قد تكون حظوظ الالعاب أفضل في جذب الانتباه، والسبب ببساطة أنها “أكثر عصرية”. فضلاً عن كون الألعاب تشكل تفاعلاً وتبادلاً ثنائي الاتجاه، فهي تعطيك الرضا الذي يناسب النفس البشرية بإعطائك نتيجة فورية مبنية على خياراتك وقراراتك، فإن كنت ناحجاً انتقلت فوراً إلى مستوى أعلى وإن لم تنجح بت متأكداً ما لن يكون خيارك في حال أعدت المحاولة مرة أخرى.

 

في لعبة “مزارع من العالم الثالث” دخلت في دائرة تشبه ما ذكرت، لكن ما أعجبني في وقت مبكر من محاولاتي الأولى في اللعبة كان قناعتي بمدى صعوبة كسر دائرة الفقر حينما لا تملك شبكات آمان اجتماعي وحينما يكون هناك الكثير من العوامل التي تمنعك من أن تكون أنت المتحكم بقرارك… قرار واحد خاطئ يمكن أن ينهي مصيرك، رغم أن ذاك المصير استغرق العديد من مواسم اللعب.

 

فكريا، هذه نقطة أدركتها منذ وقت طويل، هذا شيء قلته وأظهرته عبر مجموعة من وسائل الإعلام ومن منظمات عديدة تكافح الفقر والجوع. لكن إيجاد مكان لي في هذا الواقع، والمشاركة في هذه القرارات، والعيش مع النتيجة… كل ذلك أدى بالتأكيد إلى فهم أعمق من ذاك الذي وصلته من قبل. لكن من جهة ثانية من الصعب تقدير كيف يترجم العمق في الفهم هذا على أرض الواقع… ومن الصعب التوصل إلى مؤشر لمدى يدفع اللعب هذا إلى زيادة أكبر في التبرعات في الحياة الحقيقية أو حتى في المشاركة التطوعية في حياتنا اليومية.

 

من المضمون إلى السياق إلى المجتمع

 

لاحظ مقال نشر مؤخراً حول الألعاب في مجلة بروسبكت أن الفهم الأكبر للعالم يأتي بالمقام الأول من خلال التفاعل والتجريب، ومن خلال الإجابة (ماذا لو؟) وهذا هو المجال الذي تتميز به وتتفوق فيه تقنيات التعليم عن طريق حل المشكلات والألعاب هي أدوات ممتازة لأسلوب التعليم هذا. فوسائل الإعلام التقليدية تتجه لتركز على إيصال المضمون (محتوى الرسالة) وكذلك المناهج التقليدية تميل للتأكيد على مجموعة من المعارف الواقعية. أما الألعاب فتجمع بطبيعتها بين المحتوى واكتساب الخبرة عن طريق التجريب، في سياق توفير هذا المحتوى بوضعه موضع التنفيذ. وفي ألعاب أكثر تطوراً، يختفي الخط الفاصل بين المحتوى والسياق الذي يقدم فيه هذا المحتوى، فمحتوى يتم انتاجه في نهايتها من مجموع أفعال اللاعب وإجراءاته وخياراته التي تختلف  في كل مرة يلعب فيها.

 

وحقيقة أن اللاعب يمكن أن يعيد لعب اللعبة مرارا وتكرارا، أو يحاول تجربة جوانب مختلفة للعبة في كل مرة يلعب بها، هي ما تجعل تلك اللعبة فعالة جداً في موضوع التعليم. جيمس بول جي ، أستاذ محو الأمية في جامعة أريزونا وهو خبير بارز يرى أن اللعبة الجيدة تخلق ما يدعى “دائرة الخبرة” بإعطاء اللاعبين مشكلة مصممة جيدا على أساس أنهم يمكن أن يشكلوا استراتيجيات جيدة  كما تتيح لهم فرصة التدريب بما يكفي لجعل الأمر روتينياً. ومن ثم القاء مشكلة جديدة تجبرهم على التراجع عن المهارات الروتينية لأجل التفكير مرة ثانية قبل الوصول إلى الحل. والألعاب الجيدة تعيد هذه الدورة مرة بعد مرة وهي العملية التي تنتج خبراء في أي مجال كان.

 

بالطبع فإن هذه العملية، عند المباشرة بها بشكل منعزل، قد تكون ذات قيمة محدودة في سياق واسع من القضايا الاجتماعية كالفقر والجوع في العالم النامي. لكن الشيء الجيد الذي تفعله هي أنني أحصل على مستوى أعلى من الخبرة اعتماداً على حسن إدارتي لمرزعة خيالية من العالم الثالث، وأنا جالس في مكتبي المريح في الولايات المتحدة. حينها تصبح الإمكانيات حقاً مدهشة، وهي تظهر كما يشير “جي” وغيره من الباحثين في هذا الحقل، حينما تختلط الطبيعة التجريبية للألعاب مع القدرات الاجتماعية لشبكة الانترنت. وهنا أذكر أيضاً على سبيل المثال لعبة “العالم بلا نفط” وهي لعبة عن الوقع البديل على شبكة الانترنت مصممة لتحاكي أزمات النفط العالمية. وخلال 32 يوماً في بداية اللعبة عام 2007 جمعت حوالي 1500 مدونة داخلية وبريد صوتي وفيديو وصورة من أكثر من 1900 مشارك ممن تخيلوا ووثقوا تخيلاتهم للشكل الذي ستكون عليه حياتهم في حال نقص امدادات النفط العالمية الخطيرة. كل ذلك محفوظ الآن كأرشيف بحيث يمكن لأي الكان النظر والاستماع لذلك.

 

“عالم بلا نفط” هو إيحاء لما دعاه جون سيلي براون ودوغلاس توماس: شبكة من الخيارات التي تتيح السعي على أرضية مشتركة ما يؤدي إلى تشبيك أكثر وتالياً نشر الحلول بشكل أوسع بعد التفكير الجماعي بمجموعة الحلول هذه. وأفضل بيئة ألعاب هي التي تساعدنا على التفكير النقدي بهذه القضايا كأفراد، وتسهم بنشر هذه الأفكار بشكل أوسع، عبر تخيل جماعي لما يمكن أن يكون عليه الشكل في نهاية المطاف الأمر الذي يدفع تلك المجموعة للأمام نحو التغيير.

 

الوعي المطلوب

 

لكن التقدم إلى الأمام أو التغيير الذي تحدثنا عنه هو احتمال قائم لكنه ليس الوحيد، فالعديد من الناس ينظرون إلى الألعاب من جانبها المظلم إذ يرون أن تلك الألعاب يمكن أن تغير بشكل سلبي قابليتنا للتفاعل مع العالم الحقيقي.

 

سوزان غرين فيلد وهي عالمة أعصاب بريطانية معروفة جداً، أعطت رأياً خاصاً في هذا الموضوع وناقشت كون تلك الألعاب وأشكال أخرى من التقانات الحديثة تملك القدرة على إحداث تعديلات جوهرية على دماغ الانسان. ثمة ثمن يجب دفعه للاستمرار في البحث عن السعادة عبر المحاكاة الالكترونية. فربما يخفض ذلك من تعاطفنا مع القضايا الخطيرة في العالم الحقيقي، وبكلمات أخرى هل تواجه الألعاب الجدية خطر تحولها إلى مجرد لعبة؟

 

من الصعب تصور حدوث ذلك في لعبة اجتماعية جدية مثل لعبة العالم بدون نفط. حتى في حالة من الخيال الجماعي مع لاعبين آخرين يبدو أنها تستطيع سحب أكثر اللاعبين اعتماداً على خيالهم الشخصي من العيش في الواقع الافتراضي… أنا متفاءل بما يكفي حينما يتعلق الأمر بالعقل البشري وأميل للاعتقاد بأن الخطر صغير جداً.

 

وبالسرعة ذاتها التي تنمو فيها ظاهرة الألعاب في السنوات الاخيرة، فإن الألعاب

 

لا تزال محافظة على وجودها ليس كما وسائل الإعلام التقليدية كالتلفزيون أو

 

الاعلام المطبوع. لكن ذلك يتغير بسرعة.

 

بحسب روب باهي رئيس التحرير السابق لموقع صناعة الألعاب على الانترنت فإن التحول إلى الألعاب (أمر لا مفر منه… فقريباً سنتحول كلنا إلى لاعبين).. ويرى أن الألعاب تصبح بصورة متزايدة جداً أحد مفاتيح التغيير الاجتماعي وبصورة متزايدة أيضاً تصبح واحدة من الأماكن التي تنمو عليها الأجيال الجديدة وربما تكون هي أهم تلك الأماكن.

 

فلندع الألعاب تبدأ



Leave a Reply

Comment





Other we_initiatives


we_the_school