WE – Digital Natives in arabic

نحن : كائنات رقمية

 

بقلم جوناثان إيم

 

اعتدنا لوقت طويل أن نطلق تسميات تتهكم على الأشخاص المهووسين بالتقانة الحديثة والذين يفضلون التواصل مع أصدقائهم عبر شبكة الانترنت أكثر من التواصل المباشر، وأولئك الذين يعتبرون شبكة الانترنت هي مصدرهم النهائي للمعلومات ولحل أي نوع من المشاكل. ومع ذلك، فإن المجتمع يتقدم الآن ببطء ليتقبل ويتصالح مع حقيقة أن جيل بأكمله ينمو ولا يعرف سوى “العصر الرقمي” ولذلك فقد قبل تماماً طريق التقانة الرقمية. ونحن ندعوا انفسنا جيل الكائنات الرقمية.

 

حصلت على حاسوبي الأول في عمل الرابعة، وحصل تيم بيرنيرز لي” على الهامه لاختراع شبكة الانترنت العالمية WWW (world wide web) في اللحظة المناسبة لي تماماً، وهذا يعني أني حتى خلال سنوات الدراسة الأولى كنت قادراً على الوصول إلى وظائفي المدرسية وتنفيذها ومن ثم إعادتها عبر شبكة الإنترنت… وحصلت على أول هاتف محمول في حياتي حين كان عمري 13 سنة، الأمر الذي أكسبني نظرات غريبة من جميع من كانوا حولي مع تساؤل يقول: “أليس هذا للمدراء فقط؟!”

 

وصلتني الموجة الثانية من النظرات الغريبة حينما بدأت التنقل من حفلة إلى أخرى مع جهازي الكومبيوتر بهدف تكريس فكرة الاستماع إلى الموسيقى الرقمية.  وربما كان يصح وصفي بالمتبني المبكر للابتكارات التكنولوجية. ومع هذا ففي هذه الأيام يبقي طلاب المدارس هواتفهم النقالة في جيوبهم، وقارئة الموسيقى الرقمية باتت جزءاً من معايير إعداد النوادي الليلية.

 

ومرة أخرى ، نحن الكائنات الرقمية، لا نتصف فقط بموقف الاكتفاء الذاتي فيما يخص التقانة الحديثة. بل أيضاً نملك مفهوما مختلفاً عن ثقافة المعلومات والاتصالات والترفيه. فنستمع للموسيقى ونشاهد الأفلام عبر الشبكة الانترنت. ويأتي ذلك من حقيقة بسيطة مفادها أننا لن ندفع شيئاً مقابل المحتوى الذي نحصل عليه من الانترنت، بغض النظر عن أهمية تلك المحتويات. ونحصل على الترفيه بسعر موحد وبدون شروط أو قيود، نحصل عليه مع كل فنانينا المفضلين. وعلى المدى الطويل ونظراً لفهمنا المعاصر لقانون حماية الملكية الفكرية فإنه من الأفضل وبدلاً أن نرسل إلى السجن نتيجة تبادل هذه المعلومات والابتكارات مجاناً عبر الشبكة، سيؤدي سلوكنا هذا إلى ترويج وتنمية هذا العمل التجاري لشركات الترفيه.

 

وبعد كل هذا، عاجلا أم آجلا سنتجه جميعاً لننتهي في سوق العمل المفتوح. (رغم أن إعلانات جوجل وامازون تعطينا عائد صغير من مدوناتنا، لكننا لن نكون قادرين على دعم مستقبل عائلاتنا من هذا النوع من المال) ولذلك نحن نبدأ المنافسة على هذه الوظائف المثيرة والمشاريع في أقرب وقت ممكن.

 

حتى للانطلاق في عمل ما يخصنا، ننفق الكثير من الوقت في التخطيط وإدارة معلوات وعناصر فردية تعبر عن شخصياتنا ومهاراتنا واهتماماتنا على مختلف الشبكات الاجتماعية على الانترنت، ونختارها بناء على شريحة السوق التي تريد التوجه إليها. ولحسن الحظ، ومقارنة مع الأجيال السابقة، نرى أن الإعداد لهذه الوظيفة وتوجهنا في هذا العمل إلى الشبكات لا يشكل عبئاً لكنه شيء ممتع. ودعونا هنا نلقي نظرة أكثر تفحصا على كيفية استخدام الشبكة.

 

تعودنا الحصول على معلومات باستقلالية، كما اعتدنا على كون وصولنا الدائم إلى المعلومات بمثابة تحصيل الحاصل. نحن لا نقرأ أي من الصحف لأنها لم تعد حديثة بالقدر الكافي ولا تتوافق مع أذواقنا الشخصية. نحن نزور مكتبة عامة فقط لأن أستاتذتنا يريدون منا ذلك، ولأنهم يرون موسوعة الويكيبيدا وغير من المصادر التي تعتمد على حكمة الجمهور، تافهة وغير موثوقة.

 

ونحن علينا أن نضحك في بعض الأحيان حينما نرى الشركات تقدم الكلمات الطنانة مثل الجيل الثاني من مواقع الانترنت (الويب 2) أو التلزيم الجماعي للجمهور crowdsourcing في حملات التسويق لمجرد إرضاء مصالحنا.

 

وغالباً القضية أنهم غالباً ليس فقط يجهلون مفاهيمنا لكن أيضاً غير قابلين على تنفيذها فعلياً داخل أعمالهم على أي حال.

 

النقطة الأخيرة مسألة مهمة، فبما أن المستقبل سيشهد العديد من الشركات التي تواجه التحديات لتكييف ثقافة المشاركة بما يتناسب مع طرق التفكير المختلفة المجسدة في “الكائنات الرقمية” في موقفهم من الاتصالات وتبادل ونقل المعلومات. فقد اعتاد جيلي على الاتصال بسرعة وبديناميكية عالية، عبر الاستمرار في استخدام رسائل الموبايل القصيرة والرسائل المتعددة الوسائط… حتى في المشاريع التجارية الخاصة بنا نحن أيضاً نتواصل بشكل مستقل كثير عن أي اعتبار يتعلق بالمكان والزمان. ومن جهة ثانية، هذا يقودنا بشكل طبيعي لتوقع رد فعل سريع من شركائنا بالاتصال وفي العمل. كما أن هناك مناطق عديدة أخرى  تفتتح وفيها فجوات كبيرة بين الأجيال. موسوعة الويكيبيديا، كتب غوغل، بوابات الوثائق، والعديد من المصادر الالكترونية الأخرى على الانترنت التي علمتنا، نحن “الكائنات ذات الهوية الرقمية”، المعرفة المتوفرة بشكل مجاني عموماً، حسب الطلب ودون أي قيود أو حدود على استخدامها.

 

المدراء ومدراء المشاريع سيضطرون للوصول إلى زمن يواجهون فيه حقيقا كوننا ككائنات رقمية نتوقع الحصول على المعلومات حتى في مكان العمل بالسرعة التي يتيحها محرك البحث غوغل اليوم فيما إن أردنا الحصول على المعلومات عبره، سواء من العاملين معنا أو من أنظمة معلومات الشركات. كما أننا، وهذه حقيقة أخرى عليهم إدراكها، اعتدنا أن يتقبل الناس ردود أفعالنا وأفكارنا واستنتاجاتنا النقدية المختلفة عبر التعليقات، واعتدنا على آليات التصويت عبر الانترنت كما على الأدوات التفاعلية الأخرى التي تقدمها تقنيات الويب من الجيل الثاني (الويب 2).

 

هذه مجموعة من التوقعات الأساسية تشكل جزءاً من حياتنا اليومية، تبدأ بالمدرسة أو الجامعة، وتصر على وجود نظام للقيم سواء كنا بمثابة مواطنين أو أعضاء في مجموعة كنسية محلية أو جماعة أو حزب سياسي، أو في نهاية المطاف، كموظفين. إن تطوير تكنولوجيات جديدة ، وخدمات الشبكة ومنصات النقاش والحوار أعطانا الآن مجموعة أدوات مصممة جيداً لصياغة وتشكيل آليات للتواصل بآرائنا وأفكارنا…

 

ونحن نتوقع ككائنات رقمية أن تتاح لنا الفرصة والمنبر للتعبير عن آرائنا وتوصياتنا، ليس فقط من قبل أساتذتنا ومعلمينا، ولكن أيضاً من جانب مجلس مدينتنا، ومجتمعاتنا الدينية ومن قبل سياسيينا ومن قبل قادتنا والقيمين علينا. وفي نفس الوقت، نحن بحاجة الى التأكد من أن هذا الحوار يجري بشكل جدي. ومن ثم مرة أخرى، إذا كانت هذه المنابر وأقنية ردود الأفعال لا تؤمن لنا من قبل أشخاص مختصين، أو عبر المؤسسات ذاتها، فإننا سوف نستفيد من طرف ثالث، أو عند الضرورة، سننشئ منبرنا الخاص.

 

يبدو سلوكنا عموماً وتفاعلنا مع الآخرين، حتى في حياتنا الخاصة، على خلاف مع سلوك الأجيال الأسبق. كأن نقول: هل تستطيع الخروج معي اليوم؟ نعم_لا_ربما. وعليك أن تضع الاشارة أمام الجواب الذي تختار.

 

وأيضاً وجود محابس الزواج في أصابع آبائنا حتى الآن يتسبب لنا بوخزة ضمير قياساً إلى موقفنا الذاتي من العلاقات اليوم. كل أولئك الناس الذين نقوم بـ “لكزة” لهم على الفيس بوك يومياً، العديد من عروض الصداقة التي نستقبلها على موقع ماي سبيس كل 24 ساعة، والتعديلات العديدة التي نقوم بها على قوائم أفضل الأصدقاء… كيف يفترض بنا أن نقتصر في علاقتاتنا طوال حياتنا على شريك واحد في العالم الذي يبدي درجات عالية من التقلب؟ وما هو المعيار الذي نختار وفقه هذا الشريك؟ هل سيحضر جيلنا لخلق ملف شخص لكل شخص على الكوكب؟ وهل سيقوم الشركاء السابقون بالتصويت وتقييم مهارات العلاقة الخاصة بالشخص الذي نختاره عبر ملفات الانترنت تلك؟ هل ستوسم جميع هواياتهم وعاداتهم وحتى مناقبهم حسب فئات وتصنيفات دلالية منتظمة؟

 

في الواقع، كم سيستغرق من الوقت قبل أن تتمكن خدمات الانترنت من تتبع كامل اتصالاتنا وسلوكنا الاستهلاكي في مختلف أنحاء الشبكة ومن ثم لترسل لنا توصيات عن شريكنا المستقبلي في الحياة؟ التجربة تقول لنا أن كل شيء ممكن من الناحية التقنية.

 

وبينما أنا سعيد جدا لنشأتي في العصر الرقمي مع ثرائه بالابتكارات التقنية التي تجعل الاتصالات أسرع وأكثر دينامية، إلا أننا أحياناً وبوصفنا “كائنات رقمية” نملك فترات استراحة او وقفات “تناظرية”، للتفكير من وقت لآخر  بشكل نقدي في حياتنا الخاصة الأمر الذي يساعدنا في اتخاذ الخيارات الصحيحة والقرارات الهامة.

 

في الواقع، قمت بعملية مشابهة من بضعة أسابيع ماضية، إذ كنت على متن قطار عائد من مؤتمر فتوقفت في بلدة صغيرة وترجلت منه بسبب عطل أوقفه عن السير وعلقت في المحطة في عزلة تامة مدة 6 ساعات بانتظار قطار آخر. لا سوبر ماركت ولا ماكدونالدز ولا خلق لدي لأتشارك مع أحد بشيء… فقط أنا وسكة الحديد. أخرجت بسرعة كتابي الألكتروني فوجدت البطارية فارغة، فيما الأي فون خاصتي تحول تلقائياً لوضع الإيقاف لعدم وجود تغطية اتصال. وتساءلت ما الذي يمكن أن أفعله على هذه الأرض ريثما يأتي القطار الآخر؟ لا تويتر هنا، ولا بريد الكتروني، ولا رسائل نصية ولا حتى قارئ ملخصات الأخبار والمدونات . ولا اتصالات هاتفية ولا موسيقى. كنت ببساطة وبشكل فعال معزول عن العالم الخارجي ودون رغبة بذلك. وأنا لا أسمع أخباراً من ساعات.

 

ولعل أكثر شيء معيب شعرت به هو عدم قدرتي إخبار أي شخص آخر عن حالتي البائسة تلك، سواء عبر رسالة نصية أو عبر تويتر… نصف الساعة الأولى بدت وكأنها ستستمر إلى الأبد، ثم بدأت أستمتع بوقتي شيئاً فشيئاً.

 

وبناء على موقعي في الحياة تساءلت كيف لشخص ما أن يكون فعالاً إن كان بمثل موقفي، بل كيف له أن يكون فعالاً إن عاش قبل 50 عاماً من الآن. فكرت بعائلتي، وبجدتي التي، ولعدم اشراكها في الفيس بوك، لم تكن تستحوذ على أفكاري بقدر ما يجب. فكرت بخططي لحياتي لحوالي 10 سنوات قادمة. وفي النهاية، أدركت بما فيه الكفاية إن كنت سأمنع أطفالي من استخدام “تويتر” ليتمكنوا من التركيز على الأشياء الأكثر أهمية في الحياة. لكن حالما أيقنت أنه في غضون العشرة سنوات القادمة سأواجه بتكتيك مضاد: (أبي… تويتر من زمن الأجداد…)

 

عندها دخل القطار إلى المحطة!



Leave a Reply

Comment





Other we_initiatives


we_the_school